أحمد بن محمد القسطلاني

422

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

قلت : ليس في هذا الحديث لفظ الجنازة إنما فيه الصلاة على غائب ، أو : من في قبر ، فلا مطابقة . وأجيب : بأن المراد من الجنازة : الميت سواء كان مدفونًا أو غير مدفون ، وإذا شرع الاصطفاف والجنازة غائبة ففي الحاضرة أولى . 1319 - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي مَنْ شَهِدَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَتَى عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ فَصَفَّهُمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا . قُلْتُ : يا أبا عمروٍ مَنْ حَدَّثَكَ ؟ قَالَ : ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما " . وبه قال : ( حدّثنا مسلم ) هو : ابن إبراهيم الفراهيدي البصري قال : ( حدّثنا شعبة ) بن الحجاج قال : ( حدّثنا الشيباني ) بفتح الشين المعجمة ، سليمان بن أبي سليمان فيروز الكوفي ( عن الشعبي ) عامر بن شراحيل ( قال : أخبرني ) بالإفراد ( من شهد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) من الصحابة ممن لم يسم ، وجهالة الصحابي لا تضر في السند ، وسبق في باب : وضوء الصبيان من كتاب الصلاة قبل كتاب الجمعة بلفظ : من مر مع النبي ، وللترمذي : حدّثنا الشعبي قال : أخبرني من رأى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( أتى ) ولأبي الوقت أنه أتى ( على قبر منبوذ ) بتنوين قبر ، موصوف بمنبوذ ، بفتح الميم وسكون النون وضم الموحدة ثم ذال معجمة أي : منفرد عن القبور ، ولأبي ذر : قبر منبوذ بغير تنوين على إضافة قبر إلى منبوذ أي : به لقيط منبوذ ( فصفهم ) على القبر ( وكبر أربعًا ) . قال الشيباني : ( قلت ) للشعبي ( يا أبا عمرو ) بفتح العين ( من حدثك ) بهذا ؟ ( قال ) حدثني ( ابن عباس رضي الله عنهما ) . ووجه مطابقته للترجمة : أن صفهم يدل على صفوف لكثرة الصحابة الملازمين له ، عليه الصلاة والسلام ، فلا يكون ذلك لا صفًا ولا صفين . 1320 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ - رضي الله عنهما - يَقُولُ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « قَدْ تُوُفِّيَ الْيَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ مِنَ الْحَبَشِ ، فَهَلُمَّ فَصَلُّوا عَلَيْهِ . قَالَ : فَصَفَفْنَا ، فَصَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِ وَنَحْنُ صُفُوفٌ " . قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ " كُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي " . وبه قال : ( حدّثنا إبراهيم بن موسى ) بن يزيد الفراء الرازي الصغير قال : ( أخبرنا هشام بن يوسف ) الصنعاني ( أن ابن جريج ) عبد الملك بن عبد العزيز ( أخبرهم ، قال : أخبرني ) بالإفراد ( عطاء ) هو ابن أبي رباح ( أنه سمع جابر بن عبد الله ) الأنصاري ( رضي الله عنهما ، يقول : قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : ( قد توفي اليوم رجل صالح من الحبش ) بفتح الحاء المهملة والموحدة ، قال في القاموس : الحبش والحبشة محركتين ، والأحبش بضم الباء ، جنس من السودان ، ولأبي ذر ، والأصيلي : من الحبش بضم المهملة وسكون الموحدة ( فهلم ) بفتح الميم ، أي : تعالوا ( فصلوا عليه ) . ( قال : فصففنا ) بفاءين ( فصلّى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ونحن صفوف ) كذا ثبت في رواية المستملي : ونحن صفوف ، وفي الفرع وأصله علامة السقوط على قوله : عليه ، وعلى قوله : صفوف للأصيلي ، وأبي ذر ، وابن عساكر ، وزاد أبو الوقت ، عن الكشميهني معه ، بعد قوله : ونحن . ومطابقة الحديث للترجمة في قوله : فصففنا ، وقال ابن حجر : إن زيادة المستملي : ونحن صفوف تصحح مقصود الترجمة . اه - . وحينئذ فعلى رواية غيره لا مطابقة ، فالأحسن قول الكرماني : فصففنا كما مر ، والواو في قوله : ونحن صفوف ، للحال . ( وقال أبو الزبير ) بضم الزاي وفتح الموحدة ، محمد بن مسلم بن تدرس ، بفتح المثناة الفوقية وسكون الدال وضم الراء آخره سين مهملة مما وصله النسائي ( عن جابر ) قال : ( كنت في الصف الثاني ) يوم صلّى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على النجاشي . واستدلّ به على مشروعية الصلاة على الغائب ، وبه قال الشافعي رحمه الله ، وأحمد ، وجمهور السلف . حتى قال ابن حزم : لم يأت عن أحد من الصحابة منعه . قال الشافعي ، مما قرأته في سنن البيهقي : إنما الصلاة دعاء للميت ، وهو إذا كان ملففًا ميتًا يصلّى عليه ، فكيف لا ندعو له غائبًا أو في القبر بذلك الوجه الذي يدعى له به وهو ملفف ؟ وأجاب القائلون بالمنع ، وهم الحنفية والمالكية ، عن قصة النجاشي : بأنه كان بأرض لم يصل عليه بها أحد ، فتعينت عليه الصلاة لذلك ، أو أنه خاص بالنجاشي لإرادة إشاعة أنه مات مسلمًا ، أو استئلاف قلوب الملوك الذين أسلموا في حياته ، فليس ذلك لغيره . أو أنه كشف له ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، عنه حتى رآه ولم بره المأمومون ، ولا خلاف في جوازها وتعقبه ابن دقيق العيد بأنه يحتاج إلى نقل ، ولا يثبت بالاحتمال . اه - . وقال ابن العربي : قال المالكية : ليس ذلك إلا لمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قلنا : وما عمل به - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، تعمل به أمته ، يعني : لأن الأصل عدم الخصوصية . قالوا : طويت له الأرض ، وأحضرت الجنازة بين يديه ، قلنا : إن ربنا لقادر ، وإن نبينا لأهل لذلك . ولكن لا تقولوا إلا ما رأيتم ، ولا تخترعوا من عند أنفسكم ، ولا تحدثوا إلا بالثابتات .